RH

Share to Social Media

«أُقسمُ لكِ... كان هناك... خلفي في الصّورة.»

كانت نبرةُ سوزي مرتجفة، وعيناها لا تزالان معلّقتين على شاشة هاتفها تنتظر أن يقفز ذلك الظلّ من الصورة إلى الواقع.
جلست ماري بجانبها، وأخذت الهاتف من يدها، دقّقت النظر فيه.
«سوزي، اهدئي... ربما هو مجرّد انعكاس، أو خطأ في التصوير. لا أرى أحدًا غيركِ.»
كانت تحاول أن تجعل صوتها هادئًا، لكن عينيها قالتا غير ذلك... ولم يَفُتْ هذا على سوزي.
«ماري... فكّري للحظة. هل يمكن لأحدٍ أن يلتقط لي صورةً كهذه من الخلف؟! من زاويةٍ لا أستطيع حتى الوصول إليها... أنا وحدي في هذا البيت!»
قالت عبارتها الأخيرة بحدّة، ثم أسندت جبهتها إلى كفّيها بتعب.
أعادت ماري النظر إلى الصورة... كانت الزاوية فعلًا غريبة.
«أنتِ محقّة...» همست ماري.
ثم أضافت بسرعة، ونبرة صوتها تختلط بين الخوف ومحاولة إيجاد تفسير:
«هل يُعقَل أن هناك من يتسلّل إلى منزلكِ دون علمكِ؟»
«هذا مستحيل يا ماري!» قالتها سوزي وهي تشهق.
«أنا أتأكّد من إغلاق كلّ شيء قبل النوم... وعندما كانت أمي هنا، لم يحدث أيّ شيء كهذا.»
حلّ صمتٌ ثقيل للحظة، كأن الغرفة نفسها تشاركهما الحيرة.

قفزت ماري من مكانها فجأة... لقد أدركت شيئًا.
«هل تمتلكين كاميرات مراقبة داخل المنزل؟»
نظرت إليها سوزي وكأن أحدًا صفعها للتو.
«نعم... نعم، هناك كاميرات!» ارتفع صوتها باندهاش.
«كيف لم أفكّر في ذلك من قبل؟!»

اعتدلت ماري في جلستها، ونظرتها أصبحت  أكثر حزمًا.
«إذًا، أوّل خطوة... إزالة الكاميرات. ربما اخترقها شخصٌ ما ويراقبكِ من خلالها... وربما هو من أرسل تلك الصور.»
للحظة، بدت سوزي وكأنها تتنفّس للمرّة الأولى منذ أيام.
كيف لم تفكّر في ذلك الاحتمال؟
عادت بنظرها إلى ماري، امتلأت عيناها بدموعٍ حبيسة، ثم اندفعت تعانق صديقتها بقوّة، كغريقٍ وجد لتوّه خشبة نجاة.
«أجل... أجل، أنتِ محقّة! هذا منطقي... أنتِ الأفضل دائمًا.»
ضحكت ماري بخفّة، تُربت على ظهر سوزي برفق.
«بهدوء... لنبدأ بنزع الكاميرات، ثم نحتفل كما تريدين.»

*****

مرّت ساعات قليلة، نزعت الفتاتان خلالها كاميرات المراقبة واحدةً تلو الأخرى، تضعانِها بصمتٍ في صندوقٍ صغير.
«انتهينا...» قالتها سوزي وهي تمسح كفّيها في بنطالها، ثم نظرت إلى ماري بابتسامةٍ صغيرة، لكنها متردّدة.
«أرجو أن ينجح هذا.»
أومأت ماري بثقة، رغم القلق الذي تسلّل إلى صدرها.
«سينجح، لا تقلقي... أنا معكِ دائمًا.»
«أجل... شكرًا لكِ.»

همّت ماري بالمغادرة، وسوزي تراقبها حتى اختفت خلف زاوية الشارع.
شيءٌ بداخلها يريد تصديق أن الأمر قد انتهى، وأن هذه الليلة ستكون بدايةً جديدة... هادئة.

لكن الرياح لا تأتي كما نشتهي...

*****

في عمق الليل، كانت الغرفة تغرق في ظلامٍ خفيف، لا يقطعه سوى وهج الشاشة الباهت، بينما تستعد سوزي للنوم...
اهتزّ هاتفها على الطاولة.
نفس الصوت المعتاد...
كان كدقّ مسمارٍ في صدرها.
«لا... لا، ليست رسالةً منه.»
حدّثت نفسها بصوتٍ أقرب للرجاء منه إلى اليقين.
تناولت الهاتف بأصابع متوتّرة، وفتحت الإشعار ببطءٍ شديد...
كانت رسالةً منه... ذلك الشيء.
كلمتان فقط:
«انظري خلفكِ.»
تسمّرت عيناها على الشاشة، وارتعش جسدها بأكمله.
الصوت في رأسها تكرّر كصدى مؤلم:
خلفكِ... خلفكِ...
استدار رأسها ببطء... لم تكن تملك القرار، كأنّ شخصًا آخر هو من يُحرّكها.
عند النافذة...
كان هناك...
شخص...
لا... كائن.
تلك النظرة الخاوية التي رأتها في الصورة.
يقف خلف الزجاج، يحدّق فيها بثباتٍ مرعب.
توقّف الزمن في تلك اللحظة.
تسارعت أنفاسها، وشعرت بالهواء يغادر رئتيها، كأنها تغرق.
هل تهرب؟
…تصرخ؟
لكن لم يحدث شيء...
أظلمت عيناها فجأة، ابتلعها الظلام، ثم... لا شيء.

****

لم تفتح هاتفها.
لم تُجب على الرسائل.
ولم تُعاود الاتصال بماري كما وعدتها الليلة الماضية.
وماري... لم تستطع النوم.
كانت تحدّق في السقف، يراودها إحساسٌ ثقيل بأن سوزي ليست بخير.
وعندما اشتدّ القلق في صدرها كقبضةٍ لا تعرف الرحمة، غادرت منزلها مسرعة.
لم تمتلك خطّة واضحة، لكن قدميها أخذتاها إلى حيث يجب أن تكون.
وقفت أمام باب منزل سوزي.
طرقة...
ثم ثانية...
ولا ردّ.
اتصلت بها، الرنين يتردّد في الداخل، لكن بلا إجابة.
وضعت يدها على مقبض الباب...
لم يكن مغلقًا.
دفعته ببطء، فأصدر صريرًا خافتًا.
دخلت ماري، تنادي بصوتٍ حذر:
«سوزي... أنتِ هنا؟»
لا شيء سوى الصمت... وصوت أنفاسها المتسارعة.
المنزل بدا مختلفًا.
الستائر مُسدلة بإحكام، تحجب أيّ ضوء.
رائحةٌ خفيفة من الرطوبة والعرق تملأ المكان.
على الأرض، أشياء مبعثرة: أوراق، كوب مكسور، هاتف ملقى على وجهه...
كأن عاصفةً صامتة مرّت من هنا.
ثم رأتها...
جالسةً على الأرض، مستندةً إلى الجدار.
رُكبتاها مضمومتان إلى صدرها، ورأسها مدفون بين ذراعيها.
اقتربت ماري ببطء، وانحنت أمامها.
«سوزي؟»
خرج صوتٌ واهن:
«لا أريد فَتح عينيّ.»
جلست بجوارها، وتردّدت قبل أن تضع يدها على كتفها.
كان جسد سوزي باردًا... لكنه لا يرتجف.
«لماذا؟ ماذا حدث؟»
تنفّست سوزي ببطء، ثم همست:
«لأنني... سأراه مجدّدًا.»
ثم رفعت وجهها ببطء.
كانت عيناها... فارغتين.
«لقد كان هنا... خلف النافذة.
نظرتُ إليه... لم يتحرّك، لم يختفِ.
وقف هناك... حتى فقدت الوعي... أو نمت... لا أعلم.»
ثم انفجرت بالبكاء:
«ربما كان حلمًا؟ ربما جُننت؟ لكن الرسالة كانت حقيقية، ماري... كانت هناك.»
التقطت ماري الهاتف.
المحادثة ما زالت مفتوحة.
آخر رسالة:
«انظري خلفكِ.»
ارتعشت يدها، لكنها تماسكت.
«استمعي إليّ... سنغادر هذا المكان الآن. سنكون معًا، ولن يحدث شيء طالما أنا هنا.»
لم تُجب سوزي.
وبعد لحظة، نظرت إليها بنظرةٍ مختلفة...
ليست خوفًا... بل إدراكًا.
«أظن... لا، أنا متأكّدة.
أنا من يفعل هذا... ربما أنا من كتب الرسائل، وربما أنا من التقط الصور.»
ساد الصمت قليلاً….
وقفت سوزي ببطء، أمسكت بيد ماري.
كانت يدها باردة... لكنها قويّة.
دفعتها نحو الباب.
«هنا تنتهي صداقتنا... لا أريد أن أراكِ تسقطين معي، ماري.»
وأغلقت الباب.

«ماذا ؟....ماذا حدث؟»
لم تستوعب ماري الموقف بعد هل ....هل فَقدت صديقتها للأبد ؟؟!
كَلماتها مشلولة، عقلها يرفض التصديق ، راقبت صديقتها تغلق الباب بهدوء ، كانت هذه آخر مرة ترى فيها سوزي كما كانت تعرفها.

****

مرّت أيّام...
وسوزي تغرق أكثر فأكثر.
باتت لا تغادر المنزل، ولا تتحدّث إلى أحد.
رسائل ذلك الكائن تزورها كل ليلة.
أصبحت تراه في كلّ مكان.
تَسمعُ همس باسمها:
المجنونة.
لكنَّ الحَقيقَةَ؟
الجُنونُ لَم يَكُنِ المُشكِلَةَ…
الوَحدَةُ كانَتِ الرُّعبَ الحَقيقيَّ.
حينَ يَتَحوَّلُ الخَوفُ إلى صَديقٍ دائِمٍ،
يُصبِحُ الإنسَانُ…
مُجرَّدَ ظِلٍّ لِما كانَ عَلَيهِ.

——————
يتبع ……
ملاحظات ؟ ✨✨✨
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.